صديق الحسيني القنوجي البخاري

568

فتح البيان في مقاصد القرآن

عند اللّه قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ إلى آخر السورة وأنزل اللّه قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ [ الزمر : 64 ] إلى قوله : بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [ الزمر : 66 ] أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني . وعن سعيد بن ميناء مولى أبي البختري قال : لقي الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب وأمية بن خلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قالوا ؛ « يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد ، وتعبد ما نعبد ، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله ، فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظا ، وإن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظا فأنزل اللّه هذه السورة » أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري . وعن ابن عباس أن قريشا قالت لو استلمت آلهتنا لعبدنا إلهك فأنزل اللّه هذه السورة . وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ أي ولا أنتم فاعلون في المستقبل ما أطلب منكم من عبادة إلهي . قال الحافظ ابن القيم في البدائع : اشتمال هذه على النفي المحض خاصة هذه السورة العظيمة فإنها سورة براءة من الشرك كما جاء في وصفها فمقصودها الأعظم هو البراءة المطلقة بين الموحدين والمشركين ، ولهذا أتى بالنفي في الجانبين تحقيقا للبراءة المطلوبة ، هذا مع أنها متضمنة للاثبات صريحا . فقوله : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ براءة محضة وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ اثبات أن له معبودا يعبده وأنهم بريئون من عبادته ، فتضمنت النفي والاثبات فطابقت قول إمام الحنفاء إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [ الزخرف : 26 ، 27 ] وطابقت قول الفئة الموحدية وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [ الكهف : 16 ] . ولهذا كان النبي صلى اللّه عليه وسلم ، يقرأ بها وب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ الإخلاص : 1 ] في سنة الفجر وسنة المغرب ، فإن هاتين السورتين سورتا الإخلاص ، وقد اشتملتا على نوعي التوحيد الذي لا نجاة للعبد ولا فلاح إلا بهما وهما توحيد العمل والاعتقاد المتضمن تنزيه اللّه عما لا يليق به من الشرك والكفر والولد والوالد وأنه إله واحد صمد لم يلد ولم يولد . والثاني توحيد القصد والإرادة وهو أن لا يعبد إلا إياه فلا يشرك به في عبادته سواه بل يكون وحده المعبود ، وهذه السورة مشتملة على هذا التوحيد انتهى . وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ أي ولا أنا قط فيما سلف عابد ما عبدتم فيه ، والمعنى أنه لم يعهد مني ذلك وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ أي وما عبدتم في وقت من الأوقات ما أنا على عبادته ، كذا قيل ، وهذا على قول من قال إنه لا تكرار في هذه الآيات لأن